محمد محمد أبو ليلة
172
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
الرحمة الإلهية كعلاج شاف وحض كاف على حفظ القرآن ، وتأليف القلوب عليه . روى الحافظ أبو يعلى في مسنده الكبير أن عثمان قال يوما وهو على المنبر : أذكّر اللّه رجلا سمع النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : " إن القرآن أنزل على سبعة أحرف كلها شاف كاف " لما قام ، فقاموا حتى لم يحصوا ، فشهدوا فقال عثمان : " وأنا أشهد معهم " . فهذا الجم الغفير من الصحابة قد شهد على أن القراءات السبعة منزلة ومعنى شاف ، أي موافق للذوق ومتناسق مع الميول ورغائب القلوب ومعنى كاف « 1 » ، أي أن هذه الحروف تستوفى جميع لحون العرب ولهجاتها ؛ وتستوفي مخارج الحروف المختلفة . وفي حديث عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم الذي رواه البخاري ومسلم ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعد أن أقرأ كلا منهما فقرأ بما تعلمه منه صلى اللّه عليه وسلم : " إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه " « 2 » ؛ لقد كان العربي يعتز بلغته ويلتصق بلهجته التي في حجرها نشأ وبلبنها غذى وترعرع وعن طريقها عبر عن نفسه وتواصل مع غيره . يقول ابن مهدية من قصيدة له : ولا تاركا لحني لأحسن لحنهم * * * ولو دار صرف الدهر حيث يدور واللحن في البيت معناه اللغة أو اللهجة « 3 » . ويتساءل أبو عبد اللّه الشجري متعجبا : " أرأيت إنسانا يتكلم بما ليس في لغته ؟ " « 4 » وهذا يدل إلى إعجاب كل قبيل بلغته وبلهجته ، وبخاصة العرب الذين ضربوا المثل في الاعتزاز بلغتهم . والعرب يطلقون اللغة وهم يعنون ما نعرفه نحن في عصرنا الحديث باللهجة أو اللحن . وهم لم يستعملوا كلمة لهجة بالمعنى الاصطلاحي على الرغم من وجودها في لغتهم « 5 » . ولذلك جاءت كتبهم في هذا المجال تحمل هذه العناوين :
--> ( 1 ) المصدر نفسه والموضع والزرقاني مناهل 1 / 39 . ( 2 ) المصدر نفسه ص 147 وانظر أيضا أرثر جفرى . مقدمتان في علوم القرآن . وهما مقدمة كتاب المباني ، ومقدمة ابن عطية . القاهرة الخانجي 1954 ، ص 218 - 219 . ( 3 ) أبو الفتح عثمان بن جنى الخصائص تحقيق محمد على النجار القاهرة دار الكتب المصرية 1371 / 1952 / 239 . ( 4 ) المصدر نفسه ص 242 . ( 5 ) انظر : ابن منظور لسان العرب مادة لهج .